المؤمن كائن مميّز من بين مخلوقات الله، اصطفاه الله ورفع قدره وخاطب المؤمنين بقوله: ﴿وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [آل عمران: 139].
لذا فإنّ المؤمن يتكيّف مع ظروف الحياة ويحسن التعامل معها في تقلّباتها وتكون له عاقبة الخير والبركات.
والمؤمن يضع نُصب عينيه دائمًا أنَّ الحياة الدنيا دار امتحان وابتلاء ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، وأنّ مهمّته الأساسية فيها عبادة خالقه ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ومن عبادته لربّه أن يقابل كلَّ حدث في الكون ويتعامل معه كما يريد مولاه لا كما يريد هو.
والمؤمن يؤمن أنّّ كلَّ أحداث الكون من أمر الله وتدبيره ولا تخرج مثقال ذرّة عن إرادته، ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَیۡرِ عَمَدࣲ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلࣱّ یَجۡرِی لِأَجَلࣲ مُّسَمࣰّىۚ یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ یُفَصِّلُ ٱلۡءَایَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاۤءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2]، وأنّه لن يصيبه من مولاه إلا ما يكون خيرًا له ﴿قُل لَّن یُصِیبَنَاۤ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا (وليس علينا) هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ (الذي يحمينا ويتولّى أمرنا) وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡیَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ (فيطمئنّ قلبه وتسكن نفسه إلى مولاه الذي بيده الأمر كلّه)﴾ [التوبة: 51].
والمؤمن يؤمن أنّه لا حول ولا قوّة له ولا لأيّ مخلوق إلّا بالله، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، مستحضرًا قول نبيّه صلّى الله عليه وسلّم: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ» الآداب للبيهقي (ص307)، وفي الحديث الآخر: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» سنن الترمذي (4/ 667)، وقوله سبحانه: ﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
ويؤمن بأنّه لن ينقص من حياته لحظة، ولا من رزقه لقمة، وأنّه لو فرّ من رزقه، لأدركه رزقه كما يدركه أجله، ويحسن الظنّ بربّه، فيكافئه الله بأن يكون عند حسن ظنّه به.
لذا يديم المؤمن الالتجاء إلى الله، يتوكّل عليه ويتّقيه، فيلوذ به ويدعوه: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» السنن الكبرى للنسائي (9/ 212).
والمؤمن يتفاعل مع مجريات الحياة ولا يجلس مكتوف اليدين، بل يبادر إلى فعل الخيرات وإعانة الخلق والأمر بالمعروف والإصلاح في الأرض، ويجتنب المنكرات وينهى عن الظلم والفساد في الأرض، ملبّيًا نداء ربّه: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةࣱ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]، مقتديًا بنبيّه شعيب عليه السلام القائل: ﴿وَمَاۤ أُرِیدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَاۤ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِیدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِیقِیۤ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَیۡهِ أُنِیبُ﴾ [هود: 88]، عالمًا أنّ التغيير والتوفيق كلّ التوفيق من الله وحده، ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِی مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِینَ﴾ [القصص: 56]، ﴿فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَیۡتَ إِذۡ رَمَیۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِیُبۡلِیَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡهُ بَلَاۤءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾ [الأنفال: 17]، ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَكِیمِ﴾ [آل عمران: 126].
والمؤمن يصلح في الأرض ويجابه الظالمين والمفسدين وأعوانهم، ﴿وَٱللَّهُ لَا یُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِینَ﴾ [آل عمران: 57]، ويقول كلمة الحقّ ولا يخاف لومة لائم، ولا طاغية ولا عدوًا، ﴿ٱلَّذِینَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُوا۟ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِیمَٰنࣰا وَقَالُوا۟ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِیلُ (173) فَٱنقَلَبُوا۟ بِنِعۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلࣲ لَّمۡ یَمۡسَسۡهُمۡ سُوۤءࣱ وَٱتَّبَعُوا۟ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِیمٍ (174)﴾ [آل عمران: 173-174]، ولئن كان الظلمة والمفسدون يكيدون كيدًا فالله يكيد كيدًا، ولئن كانوا يمكرون فالله يمكر بهم، وهو أسرع مكرًا، وهو خير الماكرين.
والمؤمن يثبت ويستمسك بدعوته الإصلاحية ورسالته العالمية، ولا يستسلم ولا يبدّل ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلࣰا﴾ [الأحزاب: 23].
والمؤمن الحقّ يحيا حياة طيّبة ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ وَلَنَجۡزِیَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُوا۟ یَعۡمَلُونَ﴾ [النحل: 97]، عجب النبيَ صلّى الله عليه وسلّم من أمره فقال: «عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْرًا لَه» صحيح مسلم (4/ 2295).
اللهمّ اجعلنا من عبادك المؤمنين حقًّا
الذين تدافع عنهم، وأوجبت على نفسك نصرتهم، وكتبت لهم العزّة في الدنيا والآخرة

