ليلة النصف من شعبان: مغفرة تُمنح للقلوب المتصالحة

الشيخ د. بسام الحمزاوي

02/02/2026

من المهم أن ينتبه المسلم لأمور قبل ليلة النصف من شعبان، ومن هذه الأمور:

  • يغفر لأهل الإيمان في هذه الليلة إذا كانت قلوبهم بيضاء لا غل ولا حسد ولا شحناء ولا خصومة، ولو لم يقوموا ليلها ويصوموا نهارها:

  ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يطلع الله عز وجل إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك إو مشاحن) أخرجه الطبراني وغيره.

(أو مشاحن) أي مُعادٍ ومُخاصم، والشحناء هي: العداوة والبغضاء التي تكون بين المؤمنين.

فوظيفة المسلم الأولى في ليلة النصف من شعبان إصلاح ذات البين، وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يطلع الله عز وجل على عباده ليلة النصف من شعبان فيغفر للمؤمنين، ويمهل الكافرين، ويدع أهل الحقد بحقدهم حتى يدعوه) أخرجه الطبراني والبيهقي وغيرهما.

وعليه لو قام إنسان ليلة النصف وصام يومها إلا أنه مخاصم لجاره أو شريكه أو لأحد فلن يُحَصِّل المغفرة في هذه الليلة، ومن أصلح ما بينه وبين الناس ولم يقم ليلة النصف ولم يصم يوم النصف غفر له، وهذا واضح من الأحاديث الشريفة التي أوردتها.

إذا سأل إنسان فقال: هل يجوز أن أقوم ليلة النصف؟ فالجواب الوظيفة الأولى عليك أن تصلح ما بينك وبين الناس، فإذا أصلحت ما بينك وبين الناس حصلت المغفرة، فإن زدت على ذلك القيام فهو أمر حسن لا إشكال فيه لأن النص يثبت أن النائم صافي القلب يغفر له فكيف بمن هو صافي القلب قائم راكع.

فإن قال إنسان: وهل يجب أن أبادر لحل كل خصومة بيني وبين الناس؟ فالجواب:

الخصومات بين الناس أنواع:

الأول: خصومة أنا فيها ظالم قطعًا، فيجب أن أبادر لرد الحق لصاحبه وطلب المسامحة.

الثاني: خصومة نسبية كأكثر خصومات الناس فلان  مصيب 40 % ومخطيء 60 % والآخر عكسه، أو كل منها مخطيء من جهة ومصيب من جهة أخرى، فعليهما أن يبادرا لحل الخصومة، وخيرهما الذي يبدأ، وإلا فلا مغفرة لهما.

الثالث: خصومة أنا مظلوم فيها قطعًا (من قناعتي الخاصة وكلام الثقات المنصفين لا فقط قناعتي)، فهذه الحالة يرجى من الله تعالى أن لا تمنع مغفرة ليلة النصف من شعبان عن المظلوم، وإن كان الأرقى صفة العفو والصفح.

كلمة لمن يزعمون التدين الظاهر، وقلوبهم قلوب سوداء فيها الغل والحقد والقطيعة والبغضاء، وعدم التسامح:

 هل أنتم تزعمون أنكم أتباع القرآن؟ هل تزعمون أن الأنبياء لكم قدوة؟

اقرؤوا معي قول الله تعالى على لسان سيدنا يوسف: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي). [يوسف:46]

هل تعلمون ما فعل إخوة يوسف؟
إخوة يوسف:

  1. رموه في بئر وكاد ان يموت.
  2. إخوة يوسف كانوا سببًا أن يصير عبدًا.
  3. إخوة يوسف حرموا يوسف وهو طفل من حنان أبيه ومن سكن البيت.
  4. إخوة يوسف كانوا سببًا ان يسجن.

ماذا قال لهم لما جاؤوه: (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).

يا أهل الدين في هذه الليلة لا تحدثونا عن أن الألف في قال مد طبيعي، وهل الراحمين في الآية مد عارض للسكون أو شيء آخر، بل حدثونا (بأقوالكم وأفعالكم):

  • أن يوسف بعد كل الذي فعله إخوته به قال لهم: لا تثريب عليكم، والتثريب: التوبيخ والتأنيب، فهو يقول لهم: أنتم إخوتي لن ألومكم، ولن أوبخكم، بل أرجو الله تعالى أن يغفر لكم وهو أرحم الراحمين.
  • أين المتخاصمون أتباع سيدنا يوسف، جاءكم موسم نصف شعبان لتثبتوا أنكم أهل دين في العفو.

   فهل من مشمر للصلح مع خصومه لينال مغفرة هذه الليلة المباركة؟!!

صدق ربنا تعالى إذ يقول:

(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)

تنبيه مهم جدًا جدًا:

إن كنت ظالما ومات من ظلمته، فادفع الحق المالي لورثته، واستغفر له بل أكثر من الدعاء والاستغفار.

فإن لم تصل لورثته، فتصدق بالمال الذي أخذته منه بالباطل مع الدعاء والاستغفار.

وإن كان الحق غير مالي وقد مات، فأكثر من الدعاء له.

والحمد لله رب العالمين

مدونات ذات صلة

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عن أيام العشر الأول من ذي الحجة:مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول...

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

العشر الفواخر

يقول الإمام ابن رجب: « وكل زمان فاضل من ليل أو نهار عموماً آخره أفضل من أوله، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وكذا الليل والنهار عموماً آخره أفضل من أوله ». وهكذا هي العشر الأواخر من رمضان؛ فهي زبدة الشهر وتاجه، وآخره خيرٌ من أوله، كما أن آخرة المؤمن خيرٌ من دُنياه. إن فضل...

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

رمضان … احذر أن تضيع الفرصة!

ليس رمضان مجرد شهر يمرّ في تقويم العام، بل هو موعد إلهي متجدّد، ورسالة رحمة تتكرر، وباب واسع يُفتح لمن أراد أن يعيد ترتيب قلبه قبل أيامه. هو الشهر الذي اختصه الله بإنزال كتابه، فقال:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾،وكأن الزمن فيه لا يُقاس بالساعات...