هل أتاك حديثُ الخُلود؟

الشيخ أحمد عمورة

10/01/2026

في حديث هريرة -رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «إذا مَاتَ الإِنسانُ انقَطَعَ عنهُ عملُهُ إلَّا مِن ثلاثةٍ: إلَّا مِن صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ‌وَلَدٍ ‌صَالِحٍ ‌يَدْعُو ‌لَهُ» رواه مسلم.

الخلود لغة: قال ابن فارس في “مقاييس اللغة”: (الْخَاءُ وَاللَّامُ وَالدَّالُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، يَدُلُّ عَلَى الثَّبَاتِ وَالْمُلَازَمَةِ).

يتزوّد المؤمن قبل مماته بالباقيات الصالحات، ويزداد بعد موته من الحسنات الجاريات، ويزدان عند بعثه برؤية ربّه ولقاء نبيّه والاجتماع بأهله وصحبه وثواب الدرجات العاليات.

وقد امتنّ الله على هذه الأمة المصطفاة:

  • بمضاعفة الحسنات.
  • وجريانها بعد الممات.
  • ومنح الحسنات على النيّات الصالحات، وعلى الانزجار عن السيئات.
  • ومحو السيئات بالحسنات.
  • وتبديل السيئات بالحسنات.

ومن تمام فضل الله تعالى الإثابة على هذه الحسنات بالبركة والحياة الطيبة والنعيم المقيم والزيادة ﴿لِلَّذينَ أَحسَنُوا الحُسنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرهَقُ وُجوهَهُم قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصحابُ الجَنَّةِ هُم فيها خالِدونَ﴾ [يونس: ٢٦]

وعود على بدء، فإن في هذا الحديث الجليل، بيان لأسباب الخلود بالحسنات الجاريات:

  1. الخلود المادي “صدقة جارية”: وهي المنفعة الدارَّة ‌المتَّصِلة، كالوقوف المُرصدة لأبواب الخير والبِرِّ لاستدامة النفع والأجر، قال الإمام العز ابن عبد السلام في “قواعد الأحكام”: (وكذلك الصَّدقة الجارية تُحمَلُ على الوقف وعلى الوصيَّة بمنافع داره وثمار بستانه على الدَّوام، فإن ذلك من كَسْبِه؛ لتسبّبه إليه، فكان له أجر التَّسبُّب).
  • الخلود المعنوي “عِلم يُنتفَعُ به”: قال أبو العباس القرطبي في “المُفهِم”: (وفيه ما يدلُّ على الحضِّ على تخليد العلوم الدِّينيَّة بالتَّعليم والتَّصنيف.) وقال الإمام النووي في شرحه على مسلم: (و(فيه) بيان فضيلة العلم والحثُّ على الاستكثار منه، والتَّرغيب في توريثه بالتَّعليم والتَّصنيف والإيضاح، وأنه ينبغي أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع.) وقال ابن أبي الخير العمراني في “البيان”: (ومعنى «العلم المنتفع به» إمَّا كتب علم وقَفها، أو علَّم غيره).
  • الخلود الحيوي “وَلَد صَالِح ‌يَدْعُو ‌لَهُ”: ويكون ذلك بطلب الزوجة الصالحة ابتداءً وتعاهد الذرّية بالإصلاح، وهو مقصد لصلاح العالم ومهابة الأمم في الدنيا، ومُباهاة النبي ﷺ بأمّته في الآخرة. قال الإمام النووي في شرحه على مسلم: (وفيه فضيلة الزَّواج لرجاء ولد صالح…، وفيه أن الدُّعاء يصل ثوابه إلى الميِّت وكذلك الصدقة وهما مجمع عليهما وكذلك قضاء الدَّين) وقال الإمام السيوطي في “حقيقة السنة والبدعة”: (فمَنْ أعرض عن طلب الأولاد خالف السُّنَّة، وعُدِم هذا الفضل والثَّواب الجزيل) وقال أبو العباس القرطبي في “المُفهِم”: (وفيه ما يدلُّ… على الاجتهاد في حمل الأولاد على طريق الخير والصلاح، ووصيّتهم بالدُّعاء عند موته) وقال ابن حجر الهيتمي في “فتح الإله”: (لتحريض الولد على الدُّعاء، وأنه يتأكَّد عليه، أو لبيان أن شأن الولد الصَّالح أنه يديم الدُّعاء لوالده، ولا يغفل عنه).

ويبقى الخلود الحقيقي الأبدي وهو “الخلود الأخروي” بقسميه:

  • عذاب الخلد: ﴿ثُمَّ قيلَ لِلَّذينَ ظَلَموا ذوقوا عَذابَ الخُلدِ هَل تُجزَونَ إِلّا بِما كُنتُم تَكسِبونَ﴾ [يونس: ٥٢].
  • أو النعيم المقيم: قال تعالى ﴿ادخُلوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَومُ الخُلودِ﴾ [ق: ٣٤].

فوائد من الحديث:

قال أبو العباس القرطبي في “المُفهِم”: (وإنَّما خصَّ هذه الثَّلاثة بالذِّكر في هذا الحديث؛ لأنها أصول الخير، وأغلب ما يقصد أهل الفضل بقاءه بعدهم).

وقال الإمام ابن رجب في “ورثة الأنبياء”: (فالعالم إذا عَلَّم مَنْ يقوم به بعده؛ فقد خلَّف علمًا نافعًا وصدقة جارية؛ لأنّ تعليم العِلْم صدقة، كما سبق عن معاذ وغيره، والذين علَّمهم بمنزلة أولاد الصَّالحين يَدْعُون له، فيجتمع له بتخليف علمه هذه الخصال الثَّلاث).

وقال الأردبيلي في شرح “مصابيح السنة”: (لفظة «أو» في «علم ينتفع به» و«ولد صالح يدعو له» إشارة إلى أنَّ كُلَّ واحدة من المستثنيات عملٌ برأسه، يُفيدُ الأجر، ويقتضي الاستمرار وحده، ولا يحتاج إلى غيره في البقاء، وعدم الانقطاع، وحيازة الأجر، ولو اجتمع منها اثنتان كان أكمل وأكثر، ولو اجتمع الكُلُّ كان أكمل وأكثر وأفضل وأرفع).

اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا عِلمًا.

مدونات ذات صلة

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عن أيام العشر الأول من ذي الحجة:مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول...

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

العشر الفواخر

يقول الإمام ابن رجب: « وكل زمان فاضل من ليل أو نهار عموماً آخره أفضل من أوله، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وكذا الليل والنهار عموماً آخره أفضل من أوله ». وهكذا هي العشر الأواخر من رمضان؛ فهي زبدة الشهر وتاجه، وآخره خيرٌ من أوله، كما أن آخرة المؤمن خيرٌ من دُنياه. إن فضل...

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

رمضان … احذر أن تضيع الفرصة!

ليس رمضان مجرد شهر يمرّ في تقويم العام، بل هو موعد إلهي متجدّد، ورسالة رحمة تتكرر، وباب واسع يُفتح لمن أراد أن يعيد ترتيب قلبه قبل أيامه. هو الشهر الذي اختصه الله بإنزال كتابه، فقال:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾،وكأن الزمن فيه لا يُقاس بالساعات...