الروح الدعوية

الشيخ محمد الحنجول

08/03/2025

لا حياة بدون روح، ولا دعوة بدون روح دعوية، يويّد الله بها خاصّة عباده، الذين اصطفاهم لحمل رسالته، والدعوة إليه، ونصرة شريعته، ﴿‌أُو۟لَٰۤئِكَ ‌كَتَبَ ‌فِی ‌قُلُوبِهِمُ ‌ٱلۡإِیمَٰنَ ‌وَأَیَّدَهُم ‌بِرُوحࣲ ‌مِّنۡهُۖ﴾ [المجادلة: 22]، ﴿‌أُو۟لَٰۤئِكَ ‌حِزۡبُ ‌ٱللَّهِۚ ‌أَلَاۤ ‌إِنَّ ‌حِزۡبَ ‌ٱللَّهِ ‌هُمُ ‌ٱلۡمُفۡلِحُونَ ﴾ [المجادلة: 22].

الروح الدعوية“، ما أجمله من تعبير، وما أكرمه من وصف، وما أعظمه من قضيّة.

تبدأ قصّته مع العبد المسلم حين يُحيِ الله قلبه بالإيمان، وتنقشع عنه حجب الضلال والغفلة، ﴿‌أَوَمَن ‌كَانَ ‌مَیۡتࣰا ‌فَأَحۡیَیۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورࣰا یَمۡشِی بِهِۦ فِی ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِی ٱلظُّلُمَٰتِ لَیۡسَ بِخَارِجࣲ مِّنۡهَاۚ﴾ [الأنعام: 122]. فيتعرّف إلى ربّه ومولاه، ويحبّه فلا يكون شيءٌ أحبَّ إليه منه، ولا يقدّم عليه سواه، ﴿‌یُحِبُّهُمۡ ‌وَیُحِبُّونَهُۥۤ﴾ [المائدة: 54].

ويعاهده عهد الحياة الطيّبة التي أرادها له، ﴿قُلۡ ‌إِنَّ ‌صَلَاتِی ‌وَنُسُكِی ‌وَمَحۡیَایَ ‌وَمَمَاتِی ‌لِلَّهِ ‌رَبِّ ‌ٱلۡعَٰلَمِینَ ۝١٦٢ لَا شَرِیكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ﴾ [الأنعام: 162-163]، ويجدّد هذا العهد صباحَ مساءَ: “وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت”.

العهد الذي يدفعه للزهد في الدنيا وزخرفها ومالها ومناصبها، فيمضي في الحياة كأنّه عابر سبيل، ويعيش فيها كأنّه غريب، لأنّه علم أنّها ليست داراً قراراً، وأنّها مجرّد لهو ولعب، ﴿‌وَإِنَّ ‌ٱلدَّارَ ‌ٱلۡءَاخِرَةَ ‌لَهِیَ ‌ٱلۡحَیَوَانُۚ﴾ [العنكبوت: 64]، حينها يسمو عن سفاسف الأمور ويصوّب سهمه نحو المعالي، ويأخذ كتاب ربّه بقوّة، فيهذّب نفسه ويزكّيها، لتصبح راضية مرضية، ويستبق الخيرات ويسابق الزمن، ويتنافس مع المتنافسين، ليكون من أوّل المسلمين، وأقرب المقرّبين، من ربّ العالمين، ويجاهد في الله حقّ الجهاد، عازماً على أن يكون واحداً من أنصاره، بعد أن دخل قلبَه نورُ قولِه: ﴿‌یَٰۤأَیُّهَا ‌ٱلَّذِینَ ‌ءَامَنُوا۟ ‌كُونُوۤا۟ ‌أَنصَارَ ‌ٱللَّهِ﴾ [الصف: 14].

وإذ بهاتف يهتف به: ﴿‌وَمَنۡ ‌أَحۡسَنُ ‌قَوۡلࣰا ‌مِّمَّن ‌دَعَاۤ ‌إِلَى ‌ٱللَّهِ﴾ [فصلت: 33]، فيلتحق بموكبِ ﴿‌وَلۡتَكُن ‌مِّنكُمۡ ‌أُمَّةࣱ ‌یَدۡعُونَ ‌إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ﴾ [آل عمران: 104]، ويتعاون معهم على البرّ والتقوى، ويتواصون فيما بينهم بالحقّ، ويصبّر بعضهم بعضاً، ويؤثرون على أنفسهم إخوانَهُم ولو كان بهم خصاصة.

لحق بموكب الجماعة، إذ أيقن أنّ يد الله على الجماعة ومعها، وأنّما يأكل الذئب من الغنمِ القاصيةَ، غير عابئ بأيّ منصب وُضِع، ولا بأيِّ مسمّى تسمّى، ما دام يخدم دين الله والدعوة إليه، بروحٍ صُبَّ فيها الإيمان والنور صبّاً، وطار بها شوقاً إلى الله تعالى مكاناً علياً.

وقدّم سرّ الأعمال على علانيتها، وحرص على إخفائها ولم يظهرها، إلا ما اضطُر إليه غيرَ باغ ولا عاد.

لا يهدأ له بال وفي الأرض أحد يعبد غير الله، ولا تتوقّف عزيمته وفي الناس من يعصي الله، ويغرق في وحول الشهوات، ويتّبع غير سبيل هداه، فيدعو الله دعاء المحبّ المشفق أن ينوّر قلوبهم ويبدّل حالهم، ويحمل همّ هدايتهم، ويبذل قصارى جهده لإصلاحهم وإرشادهم إلى طريق الحقّ وسبل الخير، مستعيناً على ذلك كلّه بالله، وعبادته، وصفاء سريرته، سائلاً مولاه مِراراً وتكراراً: ﴿‌ٱهۡدِنَا ‌ٱلصِّرَٰطَ ‌ٱلۡمُسۡتَقِیمَ ۝٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِینَ أَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِمۡ﴾ [الفاتحة: 6-7]، خائفاً من تغيّر حاله فيستبدله الله بغيره، راجياً إياه وجِلاً: “اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا”.

مدونات ذات صلة

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عن أيام العشر الأول من ذي الحجة:مامن أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام يعني أيام العشر، قالوا: يا رسول...

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

العشر الفواخر

يقول الإمام ابن رجب: « وكل زمان فاضل من ليل أو نهار عموماً آخره أفضل من أوله، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وكذا الليل والنهار عموماً آخره أفضل من أوله ». وهكذا هي العشر الأواخر من رمضان؛ فهي زبدة الشهر وتاجه، وآخره خيرٌ من أوله، كما أن آخرة المؤمن خيرٌ من دُنياه. إن فضل...

بدأ العشر… فهل من مشمِّر؟

رمضان … احذر أن تضيع الفرصة!

ليس رمضان مجرد شهر يمرّ في تقويم العام، بل هو موعد إلهي متجدّد، ورسالة رحمة تتكرر، وباب واسع يُفتح لمن أراد أن يعيد ترتيب قلبه قبل أيامه. هو الشهر الذي اختصه الله بإنزال كتابه، فقال:﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾،وكأن الزمن فيه لا يُقاس بالساعات...