﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِیمَ﴾ [الفاتحة: 6] …
آية نرددها مرات ومرات في اليوم والليلة… ولا تصح صلاتنا إلا بها… معناها عظيم ومداها بعيد… فهي أفضل دعاء وأكبر نعمة… ولكن من أعظم مضامينها ما جاء في الآية التي قبلها ﴿إِیَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِیَّاكَ نَسۡتَعِینُ﴾ [الفاتحة: 5] … التي هي لب الفاتحة ولب الدين ألا وهي العبودية لرب العالمين…
كثير من دعاة الإسلام والمصلحين اليوم يسعون للنهضة بالأمة وبناء حضارة الإسلام من جديد، ولكن للأسف يخطئ بعضهم في الانطلاقة حيث ينطلق من حيث ما وصلت إليه حضارة الغرب اليوم، وحضارتهم فقدت بوصلة الطريق من البداية إذ انطلقت من معاداة الدين وإنكار العبودية لرب العالمين، والله ما خلق الخلق إلا ليعبدوه وبالألوهية ليفردوه.
ولذلك هؤلاء البعض يخالفون أو يتصادمون مع نصوص وأحكام ومفاهيم أحيانًا تكون جوهرية عند محاكاتهم حضارة الغرب المعاصرة وتقليدهم. وأنا لا أنكر تغير الأحكام بتغير الأحوال والأزمان، ولكن أنكر تغير المقصد الأعظم للوحي والدين من تحقيق العبودية للذات الإلهية إلى إشباع رغبات وشهوات ومتطلبات النفس البشرية، مع إقراري بأن الإسلام احترم الإنسان وكرَّمه وسخَّر له ما في الأرض جميعًا.
لا شك ولا ريب أن الحضارات يستفيد بعضها من بعض، ولكن شتان بين أن تكون العبودية لله والإيمان به وتزكية النفس تطهيراً وتنمية في القمة ولها الأولوية، وبين أن يحل مكان ذلك الرفاهية والرغبات والشهوات والمدنية الصورية.
إذا أردنا اليوم أن ننطلق نحو حضارة إسلامية عالمية صحيحة لله مرضية، لا بد من الانطلاق أولا من تأصيل منهج صحيح وواضح وشامل معتمد على الوحي بفهمه على مراد الله متجردين من التأثر بالمفاهيم الغربية المعاصرة وغيرها، ووضع تفسير وتصور للكون وللإنسان ولكل ميادين وأنظمة الحياة تصوراً إسلامياً خالصاً ومستقلاً، أركانه الإيمان والعبودية لله، وإقامة شرع الله لمرضاة الله، متضرعين مستعينين بالله، مضحين باذلين للجهود خالصة لوجه الله، ليكرمنا ويفتح لنا الله.
متجردين من أهوائنا وحظوظ أنفسنا، مطلعين ومتبحرين في العلوم والثقافات، القديمة والحديثة، الإسلامية وغير الإسلامية، مستفيدين من حضارة الغرب العصرية ومكتسبين من خبراتهم وتجاربهم، غير منطلقين منها ومعتمدين عليها، لأنه لا يستقيم الظل والعود أعوج.
والحمد لله رب العالمين

