يقول الإمام ابن رجب: « وكل زمان فاضل من ليل أو نهار عموماً آخره أفضل من أوله، كيوم عرفة، ويوم الجمعة، وكذا الليل والنهار عموماً آخره أفضل من أوله ».
وهكذا هي العشر الأواخر من رمضان؛ فهي زبدة الشهر وتاجه، وآخره خيرٌ من أوله، كما أن آخرة المؤمن خيرٌ من دُنياه. إن فضل هذه العشر مرتبط بإحسان الخواتيم من جهة، وتحري ليلة القدر من جهة أخرى. ومن مقاصدها التأسي بالنبي ﷺ في “تحنّثه” (تعبده) في غار حراء قبل البعثة، وفي اعتكافه في مسجده بعدها.
أشرف الأعمال في هذه العشر:
1. التوبة النصوح
هي البوابة لكل عمل صالح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (رغِمَ أَنفُ رجلٍ ذُكِرتُ عندَهُ فلم يصلِّ عليَّ، ورَغِمَ أنفُ رجلٍ دخل عليه رمضانُ ثمَّ انسلخَ قبل أن يُغفَرَ له…) [رواه الترمذي]. فالمحروم من أدرك الفضل ولم يغسل ثوبه بماء الاستغفار.
2. الصيام:
لا يقتصر الصيام هنا على الامتناع عن الطعام والشراب، بل بصيانة اللسان عن اللغو، والقلب عن الغل، مع الحرص على “سنة السحور” وتأخيره، و”تعجيل الفطور” اتباعًا للسنة، والدعاء عند الفطر بالمأثور والعفو والعتق.
3. الصلاة (الفريضة والنافلة)
الاهتمام بالفرائض أولاً، ثم الاستزادة من النوافل والرواتب:
- السنن الرواتب المؤكدة (12 ركعة): ركعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
- الرواتب المستحبة: زيادة ركعتين بعد الظهر، وأربع قبل العصر، وركعتان قبل المغرب، وركعتان قبل العشاء.
- نوافل الليل: التراويح والتهجد، والنوافل المطلقة في غير أوقات النهي.
4. الاعتكاف: خلوة مع الخالق
عن عائشة رضي الله عنها: “أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى” [رواه البخاري].
- حقيقته: قال ابن رجب: «قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق».
- وقته: يبدأ المعتكف بالدخول للمسجد قبل غروب شمس يوم العشرين، ويستمر إلى ليلة العيد.
- رخصه: يجوز للمعتكف الخروج لحاجته الضرورية (كالأكل أو قضاء الحاجة إن لم يتوفر بالمسجد)، وله أن يخصص مكاناً يسيراً (خيمة أو ستاراً) في مؤخرة المسجد للخصوصية والراحة.
5. إحياء الليل وشدّ المئزر
ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ: “كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشدّ مئزره”.
- إحياء الليل: بالصلاة والذكر والدعاء، وهو استغراق معظم الليل بالطاعة.
- إيقاظ الأهل: دلالة على الحرص الجماعي على الطاعة؛ فقد كان ﷺ يوقظ من يطيق القيام من أهله لئلا يحرموا الأجر.
- شد المئزر: وهو كناية عن الجد والاجتهاد التام في العبادة، واعتزال النساء تفرغاً للطاعة.
6. تحري ليلة القدر
هي الليلة التي هي “خير من ألف شهر”. تُرتقب في الليالي الوترية (21، 23، 25، 27، 29). ومن علاماتها: أنها ليلة طلقة صافية، لا حارّة ولا باردة، وتطلع الشمس في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها.
7. الدعاء (سؤال العفو)
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةِ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: “قولي: اللهمَّ إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي”.
وهذا من جوامع الكلم، فإذا عفا الله عنك في الدنيا والآخرة، فقد حزت كل خير.
8. ختم القرآن وتدبره
رمضان هو شهر القرآن، والختم في العشر الأواخر يناسب “إحسان الخواتيم”. اجعل لك وردًا مكثفًا يجمع بين كثرة التلاوة وحضور القلب.
9. الصدقة والجود
كان النبي ﷺ أجود ما يكون في رمضان، وخاصة حين يلقاه جبريل. فالصدقة في هذه الأيام تضاعف، وتطفئ غضب الرب.
10. زكاة الفِطر
ختام الرحلة بطهرة للصائم وطعمة للمساكين. وتجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، ويجوز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين، والمستحب إخراجها قبل صلاة العيد.
- خاتمة: إنما الأعمال بخواتيمها، فمن قصر فيما مضى، فليحسن فيما بقي، فالعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات.
والحمد لله رب العالمين

