الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فالعقل المستنير بالوحي لا يكتمل أثره إلا بنفسٍ مطمئنة تتكامل فيها قوى الجسد والروح حتى يجتمع شتات الإنسان وتترتِّب مسارات حياته وأولوياتها.
قال الله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17]، وقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].
تنهض كلية التوازن على صياغة بناء نفسي مستقر، يبدأ من (التكامل الإنساني) الذي يُوحِّد النظرة إلى الإنسان ككل دون تشتيت، ويضبط ميزان (التناسب بين الروح والجسد) ليمنع طغيان المادة، مع (عناية دقيقة بالمشاعر) بوصفها الدافع للفعل، وصولاً إلى (فقه الأولويات) الذي يُرتِّب مسارات الحياة؛ مما يصنع شخصية صلبة نفسيًّا، متَّزنة وجدانيًّا، قادرة على مواجهة ضغوط العصر.
- التكامل الإنساني: المسلم شخصية متكاملة يحكمها منطق إيماني واحد يرفض التجزئة ويمنع التناقض الداخلي، لذلك تتكامل في القرآن الجوانب الإنسانية التي تتناولها الصفات الإيمانية وتُخاطبها التكليفات الشرعية، مما يُحقِّق شخصية إسلامية متوازنة. قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج: 19-35]. يتبيَّن من تلك الصفات الانتقال بين أحكام بدنية ومالية ووجدانية وعلائقية بمختلف مستوياتها الإنسانية والحقوقية، وصولاً إلى تحقيق الشخصية القوية (غير الهلوعة).
- التناسب بين الجسد والروح: هناك تناسب دقيق في الخطاب القرآن بين غذاء الجسد وحاجاته وغذاء الروح وحاجاتها. قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، فجمع الخطاب بين غذاء الجسد وغذاء الروح في الزاد. وقال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26]، وجمع بين غذاء الجسد وغذاء الروح في اللباس. وحين ينطلق الإنسان في الحياة بتصوُّر صحيح للدنيا وحقيقة حجمها فإن ذلك يحميه من الطغيان المادي عند الإفراط والغلو في متاعها. قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31] بضبط كمِّ غذاء الجسد، وقال تعالى: {فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ} [الكهف: 19] بضبط نوع غذاء الجسد مع استحضار كونه رزقًا لنسبته إلى الله تعالى.
- العناية بالمشاعر والحالة النفسية: يعتني الخطاب القرآني بالحالة النفسية للمخاطَبين لأنها دافع للبناء أو عائق عن النهوض. قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 139-141]، فالقرآن يُخاطب مشاعر الصحابة y بعد غزوة أُحد لعدم الشعور بالضعف أو الحزن، وللثقة بالعلوِّ بفضل الإيمان، ويلفِتهم إلى أنَّ ما بهم هي جراحات بسيطة، وهي كذلك عند محاربيهم، حتى لا يُهوِّلوا الأمر على أنفسهم، ثم ينقلهم إلى آفاق النظرة الإيجابية بالنظر إلى فوائد ما حدث من تمييز المؤمنين وتمحيصهم واتخاذ الشهداء ومحق الكافرين.
- الأولويات بين التفصيل والإجمال: تتنوَّع معالجة القرآن لموضوعاته المختلفة حجمًا وتفصيلاً وتقديمًا وتأخيرًا، وفي ذلك تنبيه إلى اختلاف الأولويات فيما بينها. قال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38]، فآيات الدَّين والحفاظ على أموال الأيتام وأحكام الأسرة أخذت حيِّزًا كبيرًا من التفصيل لحماية المجتمع وعدم تركها للاجتهادات المختلفة، فيما تُرِك تفصيل أحكام فرعية متغيِّرة في المعاملات المالية والسياسية. وفي هذا رعاية للإنسان والمجتمع بضبط ما لا يحتمل عدم البيان، وترك المجال للاجتهادات فيما تتطلَّبه مستجدَّات الحياة.
- التطبيق:
إن غياب أو تغييب كلية التوازن جعل الإنسان المعاصر عُرضة لضغوطات نفسية غير مسبوقة، في الوقت الذي تضيع طاقاته في جدالات نظرية في قضايا فرعية. فيُعاني الإنسان احتراقًا نفسيًّا من ضغط الإنجاز المادي والمقارنة الاجتماعية بنماذج محصورة.
هنا، يُقدِّم القرآن علاجًا لهذه الحالات عبر توجيه المسلم إلى تكامل جوانبه الإنسانية مع التناسب فيما بين عناصره، دون أن يُهمِل العناية بمشاعره وإدارة أولوياته. وهذا تحرير إضافي للإنسان من أثقاله ليتهيَّأ للانطلاق في ميدان العمل والإنتاج القاصِد.
ومتى استقرت النفس أصبحت مهيَّأةً للانتقال إلى الحركة الفاعلة في الميدان. وهذا ما سنبسط القول فيه في المقال القادم – بإذن الله تعالى – حول (البناء السلوكي – كلية الفاعلية)، لنرى كيف تتحوَّل هذه الهندسة النفسية إلى (فاعلية قاصدة) تُغيِّر وجه الواقع.


