بناء الوعي الحضاري: رؤية قرآنية (4)

د. أمير سوبره

10/06/2026

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فبعد أن منحنا (البناء النفسي) التوازن في مواجهة ضغوط المادة، ننطلق إلى محطة الإنجاز. وهنا تتنزل (كلية الفاعلية) في المنظومة القرآنية لتُعيد صياغة السلوك الإنساني بتحويل المعارف والوجدانيات إلى (إنتاجية قاصدة) وبناءٍ سلوكي متقن.

قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 66-68]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3].

تُحوِّل كلية الفاعلية الإيمان من قناعات ساكنة إلى طاقة دافعة عبر نهج (تلقِّي العلم للعمل) الذي لا يكتفِ بترفٍ فكري، استنادًا إلى فهم دقيق لـ (حقيقة الإنسان واستعداداته) لتوجيه طاقاته بحكمة، مع الاستعانة بـ (منهج التصوير) الذي يُلهِب الوجدان ويجعل الرقابة الذاتية واقعًا مشهودًا؛ مما يُفضي في النهاية إلى الإنتاجية القاصِدة التي تجعل تجويد الأداء الميداني هو البرهان الحقيقي على صحة الوعي.

  1. تلقِّي العلم للعمل: أُنزِل القرآن ليُعمَل به كما نصَّ ابن مسعود t، ووجَّهنا القرآن للجوانب العملية دون غرق في النظريات المجرَّدة. قال تعالى: {قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ} [الكهف: 19]، فأصحاب الكهف أعرضوا عن جواب سؤال {كَمْ لَبِثْتُمْ} وتوجَّهوا إلى الجانب العملي لتلبية الاحتياج الواقعي {فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ}. كما أنه عند دراسة أسئلة الصحابة في القرآن {يَسْأَلُونَكَ} و{يَسْتَفْتُونَكَ} يتبيَّن أنها أسئلة عملية مباشرة خلافًا لأسئلة غيرها النظرية أو التشكيكية.
  2. معرفة حقيقة الإنسان واستعداداته: للإنسان طاقات كبيرة ونقاط ضعف خطيرة، وجَّهنا القرآن لمعرفتها وحدَّدها وحدَّد علاجها. قال تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج: 19-22]، فالإنسان بطبيعته يشعر بفراغ داخلي يجعله يجزع عند الشرور ويبخل عند العطاء، وعلاجه هو بالصلة بالله تعالى وفق صفات المصلين. قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1-3]، فيعرض القرآن حساب نتيجة الإنسان أنه واقع في الخسارة إلا إن التزام بصفات الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
  3. منهج التصوير: اعتمد القرآن منهج التعبير التصويري للمَشاهِد المختلفة فيه كونه المدخل القلبي للتفاعل مع المعاني، وخاصة مع مشاهد الآخرة، فينقلها من غيب مجرَّد إلى رقابة ذاتية دافعة حين يجعل عاقبة الأعمال والجزاء عليها ماثلة أمام الوعي الإنساني. قال تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ} [الانفطار: 1-5]، فهذه الآيات تعرض المشاهد المهيبة عند قيام الساعة التي تُنهي النظام الكوني القائم. وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة: 19-37]، وهذه الآيات تعرض المشاهد الإنسانية عند إتيان الكتب والفصل بين الناس، وما فيها من تعبير عن الحالات النفسية والجزاء.
  4. التطبيق:

من سِمات الواقع الحالي أننا نُعاني من البقاء في مرحلة التنظير في كثير من القضايا الجدلية، وحين نحدِّد السلوك المطلوب نفتقد الدافعية لفعله.

هنا، يُوجِّهنا القرآن للعمل التنفيذي في ميدان الحياة، وتعضد هذا العمل الدافعية الشعورية ومعرفة المآل من منهج التصوير. فيتحوَّل المسلم – وقد أدرك حقيقته واستعدادته – إلى منتِج قاصِد يُواجه ضعفه البشري بيقينه الإيماني، وينقل الإيمان والمعارف إلى ميدان الأداء بجودة. الأمر الذي يُؤهِّل للانتقال من الإصلاح الذاتي إلى البناء المجتمعي.

ومتى أصبح الإيمان طاقةً منتجةً تُواجه العجز والكسل؛ فإنَّ هذه اللَّبِنات الفردية هي التي تُشيد صرح المجتمع القوي. فالفرد الفاعل لا تكتمل ثمرته إلا حين يلتحم بغيره في بناءٍ مرصوص. وهذا ما سيقودنا في المقال الختامي – بإذن الله تعالى – نحو (البناء الاجتماعي: كلية الشهود الحضاري)، لنرى كيف تتحوَّل فاعلية الأفراد إلى (مسؤولية مجتمعية) و(شهودٍ حضاري) يُعيد للأمة ريادتها ويُحقِّق لها الشفاء والتمكين.

مدونات ذات صلة

بناء الوعي الحضاري: رؤية قرآنية (3)

بناء الوعي الحضاري: رؤية قرآنية (3)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فالعقل المستنير بالوحي لا يكتمل أثره إلا بنفسٍ مطمئنة تتكامل فيها قوى الجسد والروح حتى يجتمع شتات الإنسان وتترتِّب مسارات حياته وأولوياتها. قال الله...

بناء الوعي الحضاري: رؤية قرآنية (3)

بناء الوعي الحضاري: رؤية قرآنية (2)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فإذا كانت هندسة الوعي الحضاري تقتضي بناءً متكاملاً للإنسان، فإن اللَّبِنة الأولى الذي لا يقوم بدونه بناء هو (البناء العقلي) الذي يُحدِّد هوية الإنسان...

‏أبنائي وبناتي من جيل الشباب

‏أبنائي وبناتي من جيل الشباب

‏أمضيتُ من العمر خمسة وسبعين عاماً، عاينتُ فيها تقلبات الأحوال وتغير الأجيال، وما رأيتُ زماناً يُحارَب فيه المرء في (إرادته) و(انتباهه) مثل هذا الزمان. إن التحديات التي تحيط بكم اليوم أعنف بمرات مما واجهناه في شبابنا، ولكنني أخافُ عليكم من "السيولة" التي تذيب الشخصية...