الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد زادت في العقود الماضية وتيرة المفكِّرين والعلماء المطالبين بالعودة إلى أسلوب القرآن ومنهجه لتشكيل التصوُّرات الكبرى للحياة والسلوك الإنساني.
فنصَّ الشيخ محمد أبو زهرة (ت: 1394ه-1974م) على: “أن القرآن قد اشتمل على مناهج في الاستدلال والجدل والتأثير، تتكشَّف عن أدقِّ نواميس النفس الإنسانية، وتُبيِّن شيئًا كثيرًا من أحوال الجماعات النفسية والفكرية، وفيها الطب لأدوائها والعلاج الناجع لأمراضها والدواء الشافي لعللها وأسقامها. وفي مناهجه البيانية المثل الأعلى للكلام النافذ إلى القلوب، والحجج الدامغة، واعتبر ذلك بأثره في المشركين وأثره في المسلمين الأوائل .. فاستقام أمرهم، وحكموا بعدله العالمين“[1].
واستخلص الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (ت: 1434هـ-2013م) هذا الأمر بقوله: “لقد انتهيت إلى يقين لا يطوله الشك بأن خير ما يُثبِّت في النفس عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو القرآن، وخير ما يفسح أمام العقل آفاق العلوم والمعارف الإنسانية هو القرآن، وخير ما يسكب في القلب برد الطمأنينة والرضا هو القرآن، وخير لغة تُناجي بها مولاك في هدأة الأسحار هي لغة القرآن”[2].
وأشار الباحث عبد الله العجيري إلى ضرورة ترسيخ الحضور القرآني في قضايانا الفكرية والعقدية بقوله: “إنَّ أكبر التحديات التي تواجه الدعوة في مستقبل الأيام هو في إعادة النص القرآني ليكون الأصل الذي ينبني عليه فهم الدين، وتشكيل التصوُّرات والقناعات، وليكون هو الحَكَم الحق في تقييم مختلف الأطروحات والرؤى والأفكار، ولتترتَّب وفقه أولوياتنا العلمية والتربوية والدعوية وغيرها. إن أعظم ما يُمكن أن يتحقَّق للدعاة من نجاحات يكمن في إحداث ذلك التفاعل العميق بالنص القرآني بالانتقال من مجرَّد القراءة اللفظية له إلى عوالم التدبر والتي تُحقِّق لأصحابها الانتفاع الحق بالقرآن الكريم، وتستتبع ثمراتها الإيمانية والعلمية والعملية. إننا بحاجة إلى شحن الشباب المسلم وتعبئتهم للإقبال على القرآن الكريم ليستقبلوا هداياته وبركاته وعلومه، ووالله لو أفلحنا في تصحيح بوصلتنا الدعوية بهذا الاتجاه لقطعنا شوطًا بعيدًا في بناء الشباب العلمي والمعرفي والإيماني، ولأرحنا أنفسنا من عناء تتبُّع كثير من بلايا الشبه الفكرية المعاصرة“[3].
كيف يبني القرآن الكريم الوعي الإنساني؟
إذا كان مردُّ إشكالياتنا اليوم إلى تخبُّط عالم الأفكار المؤثِّر في تشكيل عالم الأشخاص وعالم الأشياء من حولنا، وإذا كانت أزمة العقل المسلم اليوم ليست في (نقص المعلومة)، بل في (انحراف التصوُّر)؛ فما الكليات التي يُمكن استخلاصها من القرآن الكريم لإعادة ضبط بوصلة المبادئ الفكرية الصانعة للوعي (الفرقان) ومنطلَق تشكيل التصوُّرات الكبرى للحياة والسلوك الإنساني؟
لقد شكَّل القرآن الكريم المنظومة الإدراكية للإنسان، بأن نقله من الاكتفاء بحاسة البصر – وبقية الحواس ومُتَعِها المادية المحدودة – إلى آفاق البصيرة وفهم السنن العميقة ومآلها من الخير والأجر في الدنيا والآخرة، فبناه عقليًّا ونفسيًّا وسلوكيًّا واجتماعيًّا.
فالبناء العقلي يُحدِّد مركز التصوُّر وأداة البرهنة عليه حتى تنضبط قوى النفس وتُعيَّن لها غاياتها الكبرى.
والبناء النفسي يوحِّد النظرة إلى الإنسان بتناسب بين عناصره، مع العناية بمشاعره حتى تُرتِّب مسارات حياته وأولوياتها.
والبناء السلوكي لتوجيه الطاقات الإنسانية نحو الجانب العملي بفاعلية وجدانية وإنتاجية قاصِدة.
والبناء الاجتماعي لمعالجة المشكلات الاجتماعي بعمل جماعي يدعو إلى الإيجابية ويبني كيان أمة.
هذا البناء الرباعي (العقلي، النفسي، السلوكي، والاجتماعي) يُشكِّل لبِنات قرآنية لصناعة إنسان النهضة. فكيف تُفصِّل هذه اللَّبِنات وعينا بالمرجعية المعرفية والتوازن النفسي والفاعلية العملية والشهود الحضاري؟ هذا ما سنشرع في بيانه – بإذن الله تعالى – مع شواهد قرآنية ونماذج تطبيقية في المقالات القادمة، نبدأها بـ (البناء العقلي: كلية المرجعية).
[1] محمد أبو زهرة، المعجزة الكبرى القرآن، ص279.
[2] البوطي، منهج تربوي فريد في القرآن، ص4.
[3] عبد الله العجيري، ميليشيا الإلحاد، ص185-186.

